الثلاثاء 24 فبراير 2026 - 22:19
مقال | قراءةٌ في حكمة الحكم التاريخيّ للإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) بشأن سلمان رشديّ

وكالة الحوزة - صرّح السيّد ظهيريّ بأنّ حكم الإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) بشأن ارتداد مؤلّف كتاب «الآيات الشيطانيّة» لم يكن ردّ فعلٍ مرحليًّا؛ بل كان إعلانًا لموقفٍ حضاريٍّ في مواجهة مسارٍ يسعى لتطبيع الإساءة للمقدّسات الإسلاميّة تحت مسمّى حريّة التعبير.

وكالة أنباء الحوزة - بمناسبة الذكرى السنويّة للحكم التاريخيّ الذي أصدره الإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) بشأن ارتداد سلمان رشديّ، مؤلّف كتاب «الآيات الشيطانيّة»، تناول السيّد مجيد ظهيريّ، رئيس مركز أبحاث الإسلام الحضاريّ التابع لمكتب الإعلام الإسلاميّ في محافظة خراسان الإيرانيّة، الأبعاد المختلفة لهذا الحكم في مقالٍ له تحت عنوان «حكمة حكمٍ تاريخيّ». وفيما يلي نصّ المقال:

حكمة حكمٍ تاريخيٍّ

1. الأهمّيّة الحضاريّة للحكم:

إنّ حكم الإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) بارتداد مؤلّف كتاب «الآيات الشيطانيّة» لم يكن ردّ فعلٍ مرحليًّا؛ بل كان إعلانًا لموقفٍ حضاريٍّ في مواجهة مسارٍ كان يعمل، باسم حرّيّة التعبير، على تطبيع الإساءة إلى المقدّسات الإسلاميّة. وقد أظهر هذا الحكم أنّ حرمة النبيّ محمّد (صلّى اللّه عليه وآله وسلمّ) تمثّل للمسلمين خطًّا أحمر غير قابلٍ للمساومة. وهذا ما ينبغي على القادة السياسيّين في الغرب، ولا سيّما الولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ، أن يعلموه، وهو أنّ الإساءة والتهديد والمجاهرة بالأعمال العدائيّة ضدّ المقدّسات الإسلاميّة، والقيادة الدينيّة، والمرجعيّة و... لن تبقى في إطار السياسة أو النزاعات الإقليميّة، بل سترتفع إلى مستوى التكليف الدينيّ لكلّ مسلمٍ مهما كانت جنسيّته.

2. زعزعة معادلة القوّة الثقافيّة:

في الوقت الذي كان فيه العالم الإسلاميّ يشعر بأنّ لا صوت له، غيّر الحكم التاريخيّ للإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) المعادلة وأوصل رسالةً واضحةً إلى العالم؛ وهي أنّ إهانة المعتقدات الدينيّة، حتّى في إطار الأدب والفنّ، لن تبقى دون ردٍّ.

ويمكن تحليل هذا الحكم في إطار «الفعل الرمزيّ» في العلاقات الثقافيّة؛ الفعل الذي يتجاوز كونه مجرّد فتوى ليعمل بمثابة إعلانٍ للحدود الهويّاتيّة والدفاع عن الرأسمال الرمزيّ لنبيّ الإسلام (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم). ومن هذا المنظور، لم يكن حكم الإمام الخمينيّ مجرّد ردّ فعلٍ فقهيٍّ محضٍ، بل كان إعادة تعريفٍ لمكانة العالم الإسلاميّ في ساحة التنافسات الخطابيّة العالميّة.

3. التأثيرات العالميّة والراسخة:

لم يتمكّن أيٌّ من المؤيّدين أو المنتقدين إنكارَ الأهمّيّة التاريخيّة لهذا الحدث. وقد أقرّ العديد من المحلّلين في الغرب بأنّ هذه الواقعة غيّرت نظرة العالم إلى حساسيّات المسلمين الدينيّة، وأدخلت حدود حرّيّة التعبير في نقاشٍ جادٍّ.

لقد شكّل هذا الحدث تحدّيًا جادًّا للقراءة الليبراليّة لحرّيّة التعبير. وأظهر حكم الإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) أنّ حرّيّة التعبير، بوصفها قيمةً حداثيّة، تواجه قيودًا نظريّةً وأخلاقيّةً في مواجهة الأمر المقدّس الدينيّ. ومن هذا الجانب، يمكن اعتبار هذا الحكم نقطةً لإعادة التفكير في العلاقة بين «حرّيّة التعبير الليبراليّة المطلقة» و«الحساسيّات الدينيّة».

4. التداعيات الدوليّة وتشكّل أدبيّاتٍ جديدةٍ في دراسات الدين والإعلام:

أدّى هذا الحدث إلى نشوء حجمٍ ملحوظٍ من الأدبيّات الأكاديميّة في مجالات دراسات الدين والإعلام والقانون والعلاقات الدوليّة. وقد اعترف المحلّلون الغربيّون وغير الغربيّين بأنّ هذه الواقعة أدخلت حدود حرّيّة التعبير، ومسؤوليّة الكاتب، ودور الحكومات في إدارة التوتّرات الثقافيّة، في مرحلةٍ جديدةٍ. وتكمن أهمّيّة هذا الحكم في أنّه ارتقى بالنقاش من المستوى السياسيّ إلى المستوى النظريّ والمعرفيّ. إنّ الذكرى السنويّة لهذا الحكم تضعنا أمام سؤالٍ أساسيٍّ: كيف يمكن نقد النظريّات الليبراليّة للعدالة، والتعدّديّة، والحقوق الثقافيّة الليبراليّة عند تعارضها مع حرمة الأمر المقدّس؟ ولا يزال هذا السؤال حاضرًا في الأدبيّات العلميّة، وهو ما يدلّ على أنّ قضيّة رشدي ليست مجرّد واقعةٍ تاريخيّةٍ، بل مسألةٌ نظريّةٌ حيّةٌ في الدراسات الثقافيّة والفلسفة السياسيّة الدينيّة.

إنّ الذكرى السنويّة لصدور الحكم التاريخيّ للإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) بشأن سلمان رشديّ لا تمثّل مجرّد تذكيرٍ بحدثٍ سياسيٍّ أو فقهيٍّ؛ بل هي نقطةٌ حاسمةٌ في تحديد العلاقة بين الإيمان الدينيّ، وحرمة المقدّسات، وحرّيّة التعبير، والاقتدار الثقافيّ للعالم الإسلاميّ. لقد صدر هذا الحكم في وقتٍ كان فيه كثيرٌ من المسلمين يشعرون بأنّ صوتهم لا يُسمع في مواجهة الهجمات الثقافيّة والإعلاميّة. وكان نشر كتاب «الآيات الشيطانيّة» بالنسبة إليهم ليس مجرّد كتابٍ، بل رمزًا لمسارٍ كان يعمل، باسم حرّيّة التعبير، على تطبيع إهانة المعتقدات الدينيّة.

لقد زعزع الإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) المعادلة بإصداره هذا الحكم. وأظهر أنّ حرمة القادة الدينيّين تمثّل خطًّا أحمر لا يمكن تجاهله بذريعة التبريرات الأدبيّة أو السياسيّة. ولذلك، لم يكن هذا الحكم ردّ فعلٍ عاطفيًّا، بل بيانًا حضاريًّا؛ إعلانًا بأنّ العالم الإسلاميّ لن يصمت في وجه الإساءة المنظّمة إلى مقدّساته.

**سلمان رشدي (مواليد 1947م)، هو مؤلّف رواية «الآيات الشيطانيّة» التي تضمّنت إهاناتٍ صريحةً للنبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) والمقدّسات الإسلاميّة، ممّا أدّى إلى صدور حكمٍ تاريخيٍّ بإعدامه من قبل الإمام الخمينيّ (قُدّس سرّه) في 14 فبراير 1989م؛ وهو الكاتب الذي لا يزال يثير جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافيّة والسياسيّة، ولاسيّما بعد تعرّضه لمحاولة اغتيالٍ في نيويورك عام 2022م أدّت إلى إصابته بجروحٍ بليغةٍ.

لمراجعة المقال باللغة الفارسيّة يرجى الضغط هنا.

المحرر: أمين فتحي

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha